كتاب
النكاح
مقدمة
النكاح لغة: الضم، وهو
حقيقة الوطء، ويطلق مجازًا على العقد من إطلاق المسبب على السبب.
وكل ما ورد في القرآن من
لفظ النكاح فالمراد به العقد، إلاَّ قوله: {فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى
تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 230] فالمراد به الوطء.
والأصل في مشروعيته الكتاب
والسنة والإجماع:
أما الكتاب: فقوله تعالى:
{فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 3] وغيرها من الآيات.
وأما السنة: فآثارٌ
كثيرةٌ، قوليةٌ، وفعليةٌ، وتقريريةٌ، ومنها: حديث الباب: "يا معشر الشباب ..
إلخ".
وأما الإجماع: فقد أجمع
المسلمون على مشروعيته، وقد حثَّ عليه الشارع الحكيم؛ لما يترتب عليه من المصالح
الجليلة، ويدفع به من المفاسد الجسيمة، فقد قال الله تعالى: {وَأَنْكِحُوا
الْأَيَامَى مِنْكُمْ} [النور: 32] وهذا أمرٌ، وقال: {فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ
يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} [البقرة: 232]، وهذا نهي.
وقال -صلى الله عليه
وسلم-: "النكاح سُنَّتي فمن رغب عن سُنتي فليس منِّي".
وقال: "تناكحوا
تكثُرُوا، فإني مباهٍ بكُم الأُمم يوم القيامة".
والنصوص في هذا المعنى
كثيرة.
كل هذا لما يترتب عليه من
المنافع العظيمة، التي تعود على الزوجين،
والأولاد، والمجتمع،
والدين بالمصالح الكثيرة.
فمن ذلك: ما فيه من تحصين
فرْجَي الزوجين، وقصر نظر كل منهما بهذا العقد المبارك على صاحبه عن الخِلان
والخليلات.
ومن ذلك: ما فيه من تكثير
الأمة بالتناسل؛ ليكثر عباد الله تعالى، ويعظم سوادهم، ولما فيه من اتباع سنة
النبي -صلى الله عليه وسلم-، وتحقيق المباهاة، ولِما فيه من التساعد على أعمال
الحياة، وعمار الكون.
ومنها: حفظ الأنساب التي
يحصل بها التعارف والتآلف والتعاون والتناصر، فلولا عقد النكاح وحفظ الفروج به،
لضاعت الأنساب والأصول، ولأصبحت الحياة فوضى لا وراثة، ولا حقوق، ولا أصول، ولا
فروع.
ومنها: ما يحصل بالزواج من
الألفة والمودة، والرحمة بين الزوجين، فإنَّ الإنسان لابد له من شريك في حياته،
يشاطره همومه وغمومه، ويشاركه في أفراحه وسروره، وفي عقد الزواج سرٌّ ربانيٌّ
عظيم، تتم عند عقده إذا قدر الله الألفة، فيحصل بين الزوجين من معاني الود والرحمة
ما لا يحصل بين الصديقين أو القريبين إلاَّ بعد الخلطة الطويلة، وإلى هذا المعنى
أشار تبارك وتعالى بقوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ
أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21)} [الروم].
ومنها: ما يحصل في اجتماع
الزوجين من قيام البيت والأسرة الذي هو نواة قيام المجتمع وصلاحه.
فالزوج يكد ويكدح ويتكسب،
فينفق ويعول.
والمرأة تدبر المنزل،
وتنظم المعيشة، وتربي الأطفال، وتقوم بشؤونهم، وبهذا تستقيم الأحوال، وتنتظم
الأمور.
وبهذا نعلم أنَّ للمرأة في
بيتها عملًا كبيرًا، لا يقل عن عمل الرجل في خارج البيت، وأنَّها إذا أحسنت القيام
بما نيط بها، فقد أدَّت للمجتمع كله
أعمالًا كبيرةً وجليلة.
فتبيَّن أنَّ الذين يريدون
إخراجها من بيتها ومقر عملها, لتشارك الرجل في عمله، قد ضلوا عن معرفة مصالح الدين
والدنيا ضلالاً بعيدًا، أو عرفوا وأرادوا الإضلال.
وفوائد النكاح كثيرة يصعب
عدها وإحصاؤها؛ لأنَّه نظامٌ شرعي إلهيٌّ، سُنَّ ليحقِّق مصالح الآخرة والأولى.
- وللزواج آدابٌ وحدودٌ
لابُدَّ من مراعاتها، والقيام بها من الجانبين؛ لتتم به النعم، وتتحقَّق السعادة،
ويصفو العيش، وهي أن يقوم كل واحدٍ من الزوجين بما لصاحبه من حقوق، ويراعي ماله من
واجبات.
فعلى الزوج القيام
بالإنفاق، وما يتبعه من كسوةٍ وسكنٍ بالمعروف، وأن يكون طيب النفس، وأن يحسن العشرة
باللطف، واللين، والبشاشة، والإنس، وحسن الصحبة.
وعليها أن تقوم بخدمته،
وإصلاح بيته، وتدبير منزله ونفقته، وتحسن إلى أولاده بتربيتهم، وتحفظ زوجها في
نفسها وبيته وماله، وأن تقابله بالطلاقة والبشاشة، وتهيىء له أسباب الراحة، وتُدخل
على نفسه السرور؛ ليجد في بيته السعادة والانشراح، والراحة بعد نصب العمل وتعبه،
وهو يبادلها الاحترام والبشاشة، والطلاقة وحسن العشرة، والقيام بالواجبات.
فإذا قام كل من الزوجين
بما لصاحبه من الحقوق والواجبات، صارت حياتهما سعيدة، واجتماعهما حميدًا، ورفرف
على بيتهما السرور والحبور، ونشأ الأطفال في هذا الجو الهادىء الوادع، فتربَّوا
علَى كَرَم الطباع، وحسن الشمائل، ولطيف الأخلاق.
وهذا النكاح الذي أتينا
على شيءٍ من فوائده، ثم ذكرنا ما يحقِّق من السعادة، هو النكاح الشرعي الإِسلامي
الذي يكفل صلاح البشر، وعمار
الكون، وسعادة الدارين،
فإن لم يحقق المقاصد فإنَّ النُّظُم الإلهية التي أمر بها، وحثَّ عليها, لم تراع
فيه، وبهذا تدرك سمو الدين، وجليل أهدافه ومقاصده.
* فائدة:
قال الشيخ عبد الرحمن
السعدي: عقد النكاح يفارق غيره من العقود بأحكام منها:
1 -
له من الفضائل والمصالح بها ليس لغيره.
2 -
جميع العقود لا حَجْر على الإنسان في الإكثار منها، أما النكاح فالنهاية أربع في
وقت واحد.
3 -
النكاح لابد في عقده من الصيغة القولية؛ لخطره، بخلاف غيره فينعقد بما دلَّ عليه.
4 -
الإشهاد على النكاح شرطٌ في صحته، وأما غيره فالإشهاد سنة لا واجب.
5 -
لابدَّ في تزويج المرأة من ولي، ويجوز أن تباشر المرأة بقية العقود بلا ولي.
6 -
العقود يجوز أن تُعقد بلا عوض، وأما النكاح فلابد فيه من الصداق.
7 -
المعاوضات لا يصح جعل شيء من العوض لغير الباذل، وأما النكاح فيجوز جعل بعضه
لأبيها.
8 -
لا يجوز للأب أن يبيع شيئًا من مال ولده القاصر بدون المثل، ويجوز أن يزوج ابنته
الصغير بأقل من صداق مثلها.
9 -
ليس في النكاح خيار مجلس، ولا خيار شرط، بخلاف البيع وما في معناه.
10 - العقود على المنافع لابد لها من مدة معيَّنة، بخلاف النكاح فلا يحل
أن يحدد بمدة معيَّنة، وإلاَّ صار نكاح متعة.
11 - العوض المؤجل في العقود لابد أن يكون أجله معلومًا، بخلاف الصَّداق
المؤجل، فلا يشترط كون
أجله معلومًا، وإذا لم يشترط له أجل فحلوله الفراق بالحياة أو الممات.
12
- جميع العقود الفاسدة لا تحتاج إلى فسخ لفسادها، بل يصير وجودها
كعدمها، إلاَّ النكاح الفاسد فلابد فيه من طلاقٍ أو فسخٍ.
Tidak ada komentar:
Posting Komentar